علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )
56
تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء
قال تعالى بعد ما ذكر الحكم والعلم : وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ [ يوسف : 12 / 23 ] . وأمّا همّه فأوّل ما ينبغي أن نقدّم أنّ الهمّ في اللّسان : الإرادة لا غير ، فإن سمّي الفعل همّا فمجاز من باب تسمية الشّيء باسم الشّيء إذا قاربه أو كان منه بسبب ، فلمّا كانت الأفعال مرتبطة بالإرادة التي هي الهمّ سمّيت همّا . فيقال لمن نصب أواني الخمر وما يحتاج إليه شرابها : همّ ، وكذلك يقال لمن خلا بامرأة فلاعبها ، وذلك لأنّ الهمّ الحقيقيّ محلّه القلب ، وهو غير محسوس ، فلمّا لم ندركه بالحواسّ لم نعلمه ، فإذا أدركنا أسبابه الدالّة عليه بالحواسّ قلنا : همّ ، أي فعل أفعالا دلّت على همّه بها في باطنه ، فثبت أنّ الهمّ الحقيقيّ هو الإرادة لا الفعل . جاء في الصحيح عنه - عليه السّلام - أنه قال « 1 » : « من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا ، فإن عملها كتبت سيّئة واحدة » . فهذا أدلّ على أنّ الهمّ غير الفعل ، قال الشاعر « 2 » : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ! ! فأخبر أنّه همّ ولم يفعل « 3 » ، وإذا كان هذا هكذا فما بال الجهلة باللّسان المقلّدين
--> ( 1 ) في صحيح مسلم 1 / 147 في حديث الإسراء . ( 2 ) البيت لعمير بن ضابئ بن الحارث البرجمي ، في الكامل في الأدب 496 ، 503 ، وانظر تخريجاته . والشاعر من رجال القرن الأول توفي سنة ( 75 ه ) ، وأبوه ضابئ شاعر خبيث اللسان كثير الشر سجنه عثمان رضي اللّه عنه لقتله صبيا بدابته ، ثم سجنه لإطلاق لسانه بهجاء قوم من بني نهشل ، ومات ضابئ في السجن ، فلما كان يوم الدّار دخل عمير بن ضابئ يوم مقتل عثمان رضي اللّه عنه ووطئه برجله ، وقد علم الحجّاج بما فعله عمير في زمانه الأوّل فأمر بقتله . - والحلائل جمع الحليلة وهي الزّوجة . ( 3 ) في اللسان : الهمّ : ( ما همّ ) به في نفسه . -